الشيخ محمد رشيد رضا
417
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهي توحيد اللّه وتنزيهه واثبات صفات الكمال له ، والاخلاص له في الاعمال ، والايمان باليوم الآخر ، والاستعداد له بالعمل الصالح ، وأما الشرائع فهي مختلفة . وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، وموافقته لبعض الشرائع في بعض الأحكام كموافقته لبعض القوانين الوضعية ، في كونها لا يصح أن تكون سببا لشرعها لنا ، كما لا يصح أن تكون مانعا - فإنما كنا مخاطبين بهذه الأحكام بنزولها علينا ، لا بكونها شرعت لمن قبلنا ، ولذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحب مخالفة اليهود - بعد نزول الكثير من الأحكام الشرعية عليه في المدينة - حتى في عمل البر الداخل في عموم شريعتنا وشريعتهم كصيام يوم عاشوراء إذ كان يصومه فلما قيل له في المدينة : ان أهل الكتاب يعظمونه - أو اليهود يصومونه - . قال « لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع » رواه مسلم وانما روي أنه كان يحب موافقتهم اجتهادا قبل نزول الاحكام التفصيلية في مكة . وما قال من قال : ان شرع من قبلنا شرع لنا الا لعدم التفرقة بين أصل الدين والملة وبين الشريعة ، لأن الجمهور يستعملون هذه الالفاظ استعمال المترادفات ، والتحقيق الفرق - كما قال قتادة - وعرفت تفصيله يدل على ذلك ما ورد في ( ملة إبراهيم ) فان اللّه سمى الاسلام ملة إبراهيم وأمر النبي ( ص ) باتباع ملة إبراهيم ، وامتن على العرب بأنه أمرهم بملة أبيهم إبراهيم ، قال تعالى ( 3 : 95 قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وقال ( 4 : 124 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) وقال ( 6 : 161 قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 162 ) دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 163 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 164 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) فهذا هو الاسلام وهو بيان لملة إبراهيم . يؤيد ذلك قوله ( 16 : 120 إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 121 شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 122 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 123 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فهذه هي ( تفسير القرآن ) ( 53 ) ( الجزء السادس )